محمد الداحوس يتعمق في التجربة الكندية بخطوات اقتصادية وتساؤلات إنسانية

محمد الداحوس يتعمق في التجربة الكندية بخطوات اقتصادية وتساؤلات إنسانية هسبريس ـ طارق العاطفي | أمين الخياري

حاول محمد الداحوس التناغم مع إيقاعات منتصف الألفية الماضية على المستوى الدراسي حتى الباكالوريا، مكملا المطلوب في المراحل التعليمية المتتالية للحصول على الشهادة من مؤسسة تابعة للبعثة الفرنسية في العاصمة المغربية، ثم أتت الطفرة على حين غرة كي يتولى تأليف معزوفته الخاصة في أمريكا الشمالية عوض الاكتفاء بالمتاح ضمن أوروبا الغربية.

دأب المغربي عينه على المشي مصاحبا التساؤلات أينما حل وارتحل، وقد صار أستاذا للتعليم العالي في كيبيك حين قال: كيف لم أفكر في هذا العمل؟، ثم توسط بنية للبحث في العلوم السياسية عندما ذكر: كيف يمكن للعالم أن يستفيد من المرجعيات الغربية؟، ولا يزال ملتزما بهذا الطرح الوجودي في السير نحو المستقبل حين يستفسر: هل تلوح أمامي تحديات بديلة تلائمني؟

النشأة والهجرة

رأى محمد الداحوس النور أول مرة في مدينة الرباط، وكان ذلك خلال سنوات الستينيات من القرن العشرين. وفي العاصمة المغربية، انطلق دراسيا من مؤسسة ابتدائية تحمل اسم ‘’Notre dame de la paix’’ في حي أكدال بالعاصمة المغربية، وحاد عن تلقي تكوين عسكري يؤهله لخدمة القوات المسلحة الملكية، ليحصل على شهادة الباكالوريا سنة 1981، وينطلق صوب كندا بعد عام من ذلك.

ويقول محمد عن تلك الفترة: ‘’أبي من رجال المقاومة، وكان ملحا في مطالبتي باستكمال مساري الدراسي بالثانوية العسكرية في مدينة القنيطرة. أما أنا فقد كنت مواكبا إيقاع الأقران في ذاك الآن، لهذا حصلت على الباك من ثانوية Descartes، وصرت أبحث عن فرصة دراسية جذابة على التراب الفرنسي، ولم أكن أعي بأنني سأستقر لاحقا في أمريكا الشمالية”.

انجذب الداحوس إلى حديث بعض أصدقائه عن منطقة كيبيك الكندية بكيفية تجعلها مرادفة لـ ‘’الحلم الأمريكي’’. وبالموازاة مع ذلك، أخذ يلتقط مجموعة من الأخبار المنفرة التي ترصد التصاعد الكبير لمد المتطرفين في فرنسا، بقيادة السياسي جون-ماري لوبين؛ وبالتالي حسم القرار ليحزم الحقيبة وينتقل إلى الضفة الشمالية الغربية من المحيط الأطلسي.

في مرحلة برزخية

يشدد محمد الداحوس على أن مبادرة الهجرة إلى الحيز الفرنكوفوني من الديار الكندية قد جاءت، بالأساس، من أجل تحقيق أهداف دراسية معدودة على رؤوس الأصابع؛ لكن الرغبة في الوجود بضع سنوات على أرض هذه البلاد تم تمديدها مرات متتالية، حتى صار العيش على صعيد كيبيك مستغرقا ما يفوق 40 سنة.

ويعلق المهاجر عينه على هذا بقوله: ‘’لم تكن الأمور ميسرة؛ فالصعوبات حاضرة طبعا، لأننا نتكلم هنا عن تغيير بلد بأكمله، مع ما ينتج عن ذلك من ابتعاد عن الجذور ومفارقة الأهل والأصدقاء والأحباب والنأي عن إيقاع الحياة المعتاد منذ نعومة الأظافر، وهو المرتبط بالجو المعتدل أيضا.. لهذا لاح ضروريا الإسراع بالاعتياد على ما يبتغيه المستقر الجديد”.

كما لا يجد الداحوس حرجا في التأكيد على أن الفترة الأولى من العيش بعيدا عن الرباط قد اتسمت بصدمة ناتجة عن الوقوف أمام ثقافة مغايرة للمشهور وقتها؛ ما أفرز حيزا من التيه بين الدراسة والاندماج والبحث عن فرص عمل ملائمة، وأطلق أيضا تساؤلات عن الهوية تقارنها مع ما هو كائن في البيئة الكندية. ويشدد محمد على أن كل هذا الزخم أبقاه حريصا على رصد ميزات الذات والغير لتطوير شخصيته.

بين الاقتصاد والبشر

رغم الميل إلى التكوين في السيكولوجيا أو الحصول على فرصة لتعميق المدارك ضمن السوسيولوجيا، والانحياز إلى الفلسفة والآليات القادرة على تحقيق قسط من الفهم عند النظر إلى المجتمعات الإنسانية؛ فإن الحاصل على الباكالوريا من ثانوية ديكارت بالرباط صار طالبا في العلوم الاقتصادية حتى حصل على شهادة الإجازة في التدبير.

يحكي محمد عن هذا الطور من حياته موردا: ‘’توسطت مفترق طرق بعد التخرج مجازا، وصرت مهددا بالترحيل من كندا إذا لم أواصل التحصيل الجامعي؛ ما دفعني إلى التسجيل في ماستر الإنتاجية البشرية في جامعة شيربروك، وكان السياسيان عزيز أخنوش وحفيظ العلمي طالبين في المؤسسة نفسها ذاك الحين”.

ارتأى الداحوس تأجيل عودته إلى المغرب بعد إنهاء الماستر، أو ‘’الميتريز’’ كما تجري تسميته في كيبيك، مبررا ذلك بضرورة استجماع قدر من التجربة المهنية قبل حط الرحال مجددا بالوطن الأم. وبعد فكرة من البحث، عمل بنصيحة رفيق دراسة كندي سبقه إلى التدريس الجامعي، فكانت بدايته في هذا الميدان سنة 1991، متوليا مهمة تكوين الطلبة في تدبير الموارد البشرية بجامعة كيبيك في مونتريال.

اللعبة داخل العلبة

بجانب الالتزامات التدريسية، حرص المنتمي إلى صف مغاربة أمريكا الشمالية على إشباع تعطشه للعلوم الإنسانية بالمواظبة على الوجود في المدرجات من أجل الإصغاء إلى المحاضرات المقدمة لطلبة المؤسسة التي يعمل بها؛ وهو ما زاد تأجيج تساؤلاته المنحازة إلى تثمين القيم في بنيات متباينة في كل شيء سوى منح الأولوية للأموال كي تصير أهم من البشر.

وكمخرج لهذا الاستفزاز الذهني، استوفى محمد دروس ماستر وأخرى تحضيرية للعمل على أطروحة دكتوراه في العلوم السياسية، مرحبا بالتخصص في الفلسفة السياسية لمساءلة النموذج الغربي وأهليته كي يكون نموذجا عالميا، ومعتمدا على جهود ذاتية لم تغفل استحضار الهوية المغربية ومعارف ما قبل الهجرة كأسس للبحث.

“هذا الاشتغال الأكاديمي القارن بين الفلسفة والسياسة أخذ وقتا طويلا كي يختمر، كما كانت نتائج الموضوع محط تشنجات وسط بنية البحث الجامعية. ونتيجة لذلك، وجدت نفسي أعيش نفس الصدمة التي خبرتها في أول أيام الوصول إلى مونتريال، إذ يحرص التأطير على إبقاء التفكير نمطيا داخل الإطار المحدد له، ويجب عدم المساس بالأسس؛ لأن التركيز منصب على التحسينات فقط’’، يذكر الداحوس.

تحديات بديلة

يبدي محمد الداحوس افتخارا كبيرا بما حققه على مدى حياته، وحرصه على تنويع المسارات بعيدا عن النمطية والاختزال، بما في ذلك التخصص الوظيفي بالتدريس الجامعي لتدبير الموارد البشرية عموما، ورهانات أخلاقيات المهنة في الأنسجة المقاولاتية خصوصا، مع ما يقتضيه هذا الشق التكويني من رصد وتحاليل للمشاكل المرتبطة بالأداءات السلوكية للرأسمال البشري.

ويقول المستقر في كبيك منذ 1982: ‘’السنوات العشر الأخيرة من الحياة المهنية في الجامعة حاولت الوقوف على الميزات المطلوبة في مسيري اليوم، الموكول إليهم الحسم في أخذ القرارات، من أجل تفادي الأوجه الشائعة للممارسات الفاسدة. والحقيقة أن الوصول إلى سن التقاعد لا يحول دون مواصلة البحث في محاولة للاقتران بتحديات بديلة”.

بالوصول إلى العقد السابع من عمره، يعترف محمد الداحوس بأن أسئلة مرحلة العشرينيات عادت لتشغله؛ وفي مقدمتها ما هو متاح للقيام به مستقبلا بالاستناد إلى مجموع المحطات التي عبر منها، متأرجحا بين تجريب الكتابة من بوابة السيرة الذاتية، أو المبادرة إلى تقديم خدمات استشارية لإفادة الناس، أو حتى الإقبال على العمل الإذاعي، لكنه يبقى موقنا بأن التقدم في العمر يعني ترسخ العقلنة والإبداع.

النفس تلاقي الناس

يعتبر الأستاذ الجامعي الكبيكي المزداد في الرباط أن المدرسة الأولى للنجاح تتمثل في خلاصات المزج بين مواجهة النفس وملاقاة الناس في الشوارع، وأن من بادر إلى البصم على تجارب في الهجرة، كيفما كانت الوجهة المختارة، لا يمكن أن يكون كنظيره الذي فضل البقاء مستقرا في الزاوية المريحة على التراب الوطني.

ويفسر محمد المقصود بكلامه حين يسترسل: ‘’ثقافتنا واضحة حين تعتبر أن تعارف الحضارات يبني شخصية الآدمي عند جعلها في وضعيات صدامات سلمية، ويجب أن يتم ذلك بكيفية سليمة تستدعي حرص المنخرطين في الهجرة على أخذ ما هو مفيد من مجتمعات الاستقبال، وتفادي الوقوع في التيه”.

“الوافدون حديثا على الاستقرار فوق التراب الكندي عليهم أن يعوا بأن المغاربة كانوا أساتذة للغربيين، ولم يدم ذلك للحظات فقط؛ بل تواصل في شتى المجالات على مدى قرون طويلة. ولهذا، يجب على المغربية والمغربي أن يبرزا الافتخار بحضارة الوطن الأم، وأن يتم التعامل مع بلد المهجر وفق علاقة واضحة أساسها النهل من العلوم والدفاع عن الأصول’’، يختم محمد الداحوس.

The post محمد الداحوس يتعمق في التجربة الكندية بخطوات اقتصادية وتساؤلات إنسانية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

December 13, 2023 at 11:00PM
اخر اخبار العالم دائما معكم